قال موقع "ميدل إيست مونيتور" إن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة يوم الأربعاء الماضي لم تكن زيارة عادية؛ بل كانت بمثابة لحظة محورية في العلاقات التركية المصرية، تشير إلى تشكيل تحالف استراتيجي بين البلدين.

 

واعتبر أن الاستقبال الحار الذي حظي به الرئيس التركي من عبدالفتاح السيسي يحمل دلالات مهمة، إذ يشير إلى تفاهمات أمنية وعسكرية ناشئة، فضلاً عن اتفاقيات التعاون السياسي والاقتصادي بين القاهرة وأنقرة.

 

وأضاف: "ويبدو أن القاهرة منفتحة على تعاون أوسع مع الجانب التركي، الذي نجح في تخفيف التوترات السياسية بين البلدين وفي تسريع وتيرة التقارب، للتعويض عن الخسائر الاستراتيجية التي تكبدها كلا الجانبين".

 

توقيت حساس


وبحسب التقرير، فإن نجاح زيارة الرئيس أردوغان الثالثة إلى مصر خلال عامين يكمن في توقيتها الحساس. فالمنطقة تشهد تصعيدًا خطيرًا بين الولايات المتحدة وإيران قد يتطور إلى حرب. وفي حال اندلاع مثل هذا الصراع، فإنه سيلقي بظلاله على المنطقة، ويعيد إشعال التوترات في البحر الأحمر وقناة السويس، وقد يجرّ معه جهات إقليمية فاعلة، بما في ذلك حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل الشيعية في العراق. كما يمكن لإسرائيل استغلال هذا السيناريو لاستئناف الحرب على قطاع غزة.

 

ووصف التقرير الزيارة بأنها استمت بدفء العلاقات الشخصية بين قيادتي البلدين، والذي تجلى في إهداء أردوغان سيارة تركية الصنع إلى السيسي، فضلاً عن طبيعة الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين وما تحمله من دلالات للمستقبل. 

 

وتطل الدولتان على خمسة بحار رئيسية هي: البحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، وبحر مرمرة، وبحر إيجة، وتسيطران على ثلاثة ممرات مائية دولية حيوية هي: قناة السويس، ومضيق الدردنيل، ومضيق البوسفور، وذلك بحسب الباحث في الشؤون التركية سمير العركي.

 

وقد ساهم التوقيت الحساس، والبراغماتية التركية، والتقارب التركي السعودي بشأن العديد من القضايا الإقليمية، وتجاوز الإماراتيين لحدودهم في ملفي السودان والصومال - على حساب مصالح مصر في جوارها الاستراتيجي - في تسريع تحرك القاهرة نحو مزيد من التفاهمات والترتيبات مع أنقرة، وفقًا للموقع.

 

وشهدت الفترة الفاصلة بين الاجتماعين الأول والثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين ما يقرب من 50 زيارة رسمية على مستويات مختلفة.

 

وتُعدّ مصر أكبر شريك تجاري لتركيا في أفريقيا، بحجم تبادل تجاري يبلغ 9 مليارات دولار. ووفقًا لأردوغان، فإن الهدف هو إرساء نموذج اقتصادي يتكامل فيه البلدان، مما يعزز قدرتهما على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

 

غزة وإيران


وشمل جدول الأعمال المصري التركي طيفًا واسعًا من القضايا والتحديات، وعلى رأسها ملف غزة. وينطلق التنسيق بين البلدين من المصالح المشتركة في الضغط على إسرائيل للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في قمة شرم الشيخ في أكتوبر من العام الماضي، برعاية مصرية وقطرية وتركية وأمريكية، فضلاً عن جهود إعادة الإعمار، وفتح معبر رفح، وإيصال المساعدات، والتنسيق بشأن مهام قوة حفظ الاستقرار في القطاع.

 

وتسعى مصر إلى تعزيز دورها كوسيط في دعم اتفاق وقف إطلاق النار ومنع نزوح الفلسطينيين إلى سيناء، بينما تهدف تركيا إلى ترسيخ دورها في القضية الفلسطينية. 

 

ويلعب البلدان أيضًا دورًا وسيطًا بين واشنطن وطهران، ويرغبان في أن يكبح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جماح العمليات الإسرائيلية في غزة، وفقًا للمحلل السياسي محمد جمال.

 

وأوضح الموقع أن تأثير الحرب على الطرق البحرية الإقليمية، بما في ذلك قناة السويس، وخطر حدوث أزمة لاجئين جديدة، والمخاوف من أن يمتد الصراع إلى دول الخليج والدول العربية إذا ردت طهران على أي عمل عسكري ضدها، كلها تشكل أرضية مشتركة للعمل المصري التركي لنزع فتيل التصعيد ومنع الانزلاق نحو الحرب مع إيران.

 

ولا تزال المنطقة تتحمل تكاليف عامين من الحرب والتصعيد العسكري الإسرائيلي والأمريكي، مما يؤثر على غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن وإيران وقطر، إلى جانب التوترات المستمرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

السودان وليبيا


كما وصفت صحيفة الأهرام المصرية الرسمية "قمة إعادة ترتيب أوراق المنطقة" ، فقد عكست أيضًا رغبة مشتركة في إنهاء الحرب في السودان بشكل حاسم وترجيح كفة الجيش السوداني، وذلك باستخدام طائرات مسيرة تركية انطلقت من قواعد مصرية قرب الحدود الجنوبية. ويمثل هذا تطورًا ملحوظاً يدل على مستوى أعلى من التنسيق العسكري بين مصر وتركيا.

 

ونقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أمنيين مصريين مؤخرًا، إنه تم تزويد مطارين جنوبيين بمعدات عسكرية خلال الأشهر الماضية لتأمين الحدود وتنفيذ ضربات عسكرية لحماية الأمن القومي.

 

كما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" صورًا لطائرات أكينجي بدون طيار تركية الصنع في قاعدة جوية مصرية في شرق العوينات، مشيرة إلى أنها استخدمت لتنفيذ غارات جوية في السودان.

 

وتهدف الخطوة المصرية التركية إلى استهداف قوات الدعم السريع وقطع خطوط إمداد الأسلحة من جنوب شرق ليبيا، عقب سقوط الفاشر، آخر معاقل الجيش السوداني في دارفور. ويُفسر هذا التطور تحوّل موقف مصر وتزايد انخراطها في الصراع دعماً للجيش السوداني.

 

واعتبر التقرير أن هذا التطور المهم يشير إلى تعميق التنسيق بين القاهرة وأنقرة بشأن مزيد من التفاهمات والترتيبات الأمنية في ليبيا والصومال والقرن الأفريقي، بعد أن تشجعت مصر بالتحركات السعودية الأخيرة للحد من النفوذ الإماراتي في اليمن والبحر الأحمر والسودان.

 

مكاسب كبيرة


وبحسب التحليل، فإن حسابات مصر الاستراتيجية تتطلب تخفيف حدة التوترات الإقليمية، واحتواء بؤر الصراع في الشمال والجنوب والشرق والغرب، ووقف الضغط على الاقتصاد المصري الناجم عن انخفاض عائدات قناة السويس. وتتحقق هذه المصالح من خلال توثيق العلاقات مع تركيا، التي اتجهت نحو سياسة "انعدام المشاكل" مع مصر.

 

وبحسب مصدر تركي تحدث إلى  موقع مدى مصر  (مستقل)، فإن مصر تحتاج إلى تركيا في مجالات الصناعات العسكرية والاستقلال الدفاعي، بينما تحتاج تركيا إلى مصر في شرق البحر المتوسط.

 

وأبرمت مصر الأسبوع الماضي اتفاقيات مع شركات تركية لإنتاج طائرات حمزة المسيّرة وإنشاء منشأة لتصنيع ذخائر المدفعية بعيدة المدى للجيش المصري، بالإضافة إلى صفقات عسكرية بقيمة 350 مليون دولار تشمل تصدير منظومة الدفاع الجوي تولجا. ويعكس هذا تنامي الشراكة العسكرية بين القاهرة وأنقرة.

 

وفي وقت سابق من العام الماضي، وقعت الهيئة العربية للتصنيع في مصر والشركة التركية هافيلسان اتفاقية لإنتاج طائرة توركا (طائرة بدون طيار ذات إقلاع وهبوط عمودي) محلياً في مصر، بهدف توطين تكنولوجيا المركبات الجوية غير المأهولة، وتعزيز الشراكات الصناعية بين البلدين، وفتح قنوات التصدير إلى الأسواق الأفريقية.

 

تحالف ثلاثي الأطراف


من التنافس والمنافسة إلى التعاون والشراكة، تدخل العلاقات المصرية التركية مرحلة جديدة تتجاوز القطيعة التي أعقبت الانقلاب العسكري في مصر في منتصف عام 2013.

 

ويرى الباحث السياسي محمد حمدي أن القوة الدافعة وراء هذا التحول تكمن في التحركات الإسرائيلية في المنطقة والرغبة في إدارة الأزمات الإقليمية بدلاً من تركها رهينة للتدخلات الخارجية، فضلاً عن بناء نفوذ مستقل نسبيًا يسمح بالتأثير على القضايا الإقليمية بدلاً من البقاء محصورًا في دور المراقب، وبالتالي تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية المصالح المشتركة.

 

وهناك توافق شبه تام بين البلدين حول هدف واحد: خفض التصعيد المستدام في غزة؛ ووحدة وسيادة السودان وليبيا والصومال وسوريا؛ وأمن البحر الأحمر؛ وربما في المستقبل، ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط. ويشكل هذا التقارب تحالفًا استراتيجيًا -إلى جانب المملكة العربية السعودية- قادرًا على ممارسة تأثير حاسم في طيف واسع من القضايا الإقليمية.

 

وبناءً على ذلك، نجحت أنقرة في تنحية الخلافات جانبًا مع كل من القاهرة والرياض، ومن خلال الهدوء والصبر والفطنة السياسية، توصلت إلى الصيغة التي سعت إليها لسنوات: تحالف إقليمي ثلاثي بين دول عربية وإسلامية مؤثرة، قائم على مبدأ "الربح للجميع" وقادر على إعادة ضبط التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

 

وتحت عنوان "محور جديد"، كتب الصحفي المصري البارز فرج إسماعيل على صفحته الشخصية على "فيسبوك" أن المحاور المؤقتة قد تم تحييدها ودفعها إلى الانكفاء على نفسها، بينما يبرز محور جديد بشكل طبيعي بين القوى الجغرافية والعسكرية والاقتصادية المؤثرة في المنطقة - مصر والسعودية وتركيا - في انتظار قوة رابعة: إيران، التي لا يمكن تجاهل ثقلها الجيوسياسي والديموغرافي والثقافي. في المقابل، فإن المحاور التي "ولدت بعملية قيصرية" وأشعلت فتيل التوترات الحدودية والصراعات الداخلية والحروب الأهلية في المنطقة، باتت على وشك التلاشي.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260210-egypt-and-turkey-a-summit-of-arrangements-and-strategic-gains/